اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
443
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
ويلي « المقدمة الثانية » « تكمله لهذه المقدمة الثانية » بعنوان « في أن الربع الشمالي من الأرض أكثر عمرانا من الربع الجنوبي وذكر السبب في ذلك » . وفي هذه التكملة 24 يعرض ابن خلدون للنظرية التي انتشرت في الأدب الجغرافي العربي ومؤداها خلو البلدان الواقعة إلى الجنوب من خط الاستواء من السكان لإفراط الحر ، فيقف منها موقف المتشكك محاولا أن يوفق بين تفكيره المتسم بالواقعية والنظريات المتوارثة عن العلم اليوناني فيقول : « ومن هنا أخذ الحكماء خلاء خط الاستواء وما وراءه . وأورد عليهم أنه معمور بالمشاهدة والأخبار المتواترة فكيف يتم البرهان على ذلك ؟ والظاهر أنهم لم يريدوا امتناع العمران فيه بالكلية 25 إنما أداهم البرهان إلى أن فساد التكوين فيه قوى بإفراط الحر والعمران فيه إما ممتنع أو ممكن أقلى . وهو كذلك فإن خط الاستواء والذي وراءه وإن كان فيه عمران كما نقل فهو قليل جدا » 26 . ويختتم ابن خلدون هذه « التكملة » بالألفاظ الآتية : « ولنرسم بعد هذا الكلام صورة جغرافيا كما رسمها صاحب كتاب رجار ثم نأخذ - - في تفصيل الكلام عليها . . . إلخ » 27 . ويجب أن نبادر إلى القول بهذه المناسبة أنه لم يتم العثور في أية واحدة من مخطوطات كتابه على هذه الخارطة المزعومة 28 « * » . أما « تفصيل الكلام على هذه الجغرافيا » فيقدم وصف الأرض بتقسيمها إلى سبعة أقاليم وتقسيم كل إقليم إلى عشرة أجزاء . وبعد أن يوضح ابن خلدون القاعدة الفلكية لهذا التقسيم ويصف الأقاليم بإيجاز يشير مرة أخرى إلى مصدره الأساسي وذلك بقوله : « ونحن الآن نوجز القول في ذلك ونذكر مشاهير البلدان والأنهار والبحار في كل جزء منها ونحاذى بذلك ما وقع في كتاب « نزهة المشتاق » الذي ألفه العلوي الإدريسى الحمّودى لملك صقلية من الأفرنج وهو رجار بن رجار عندما كان نازلا عليه بصقلية بعد خروج صقلية من إمارة مالقة . وكان تأليفه للكتاب في منتصف المائة السادسة وجمع له كتبا جمة . » 29 . ثم يسرد ابن خلدون عقب هذا مباشرة أسماء الكتب التي أشار إليها الإدريسى بألفاظه محتفظا بنفس الترتيب الذي وردت به في « نزهة المشتاق » ؛ ومن العسير القول بأنه عرفها جميعها معرفة مباشرة . أما وصفه للأقاليم فلا يمثل شيئا جديدا بالنسبة لنا إذ أنه يقدم مقتطفات فقط من مصنف الإدريسى المذكور . وهو قد يغتنم الفرصة أحيانا ليضيف شيئا ما كمعلوماته عن جزر المحيط الأطلنطى 30 وعن جوف إفريقيا 31 ، هذا على الرغم من أن مادته كانت دون شك أحفل وأكثر تفصيلا في مجالات كثيرة من معلومات الإدريسى . وقد رجع ابن خلدون أحيانا إلى مصادر أخرى غير الإدريسى مثل ابن سعيد 32 أو « كتاب المشترك » لياقوت 33 ، غير أن هذا لا يحدث إلا نادرا زد على ذلك أن ما ينقله منهم يرد عادة
--> ( * ) لقد تم العثور عليها وهي موجودة في مخطوطة واحدة فقط من المخطوطات العديدة لكتاب « العبر » هي المخطوطة رقم 2106 طلعت بدار الكتب المصرية ( راجع ص 57 من كتاب « مؤلفات ابن خلدون » لعبد الرحمن بدوي ، القاهرة 1962 ) . ( المترجم )